|
حملة
الواسطة -
مؤسسة الارشيف العربي
عندما كان موضوع محاربة
الواسطة شبه محرم في المجتمع الاردني، قامت مؤسسة الارشيف
العربي باستطلاع جريء اكد فيه 85 بالمائة من الاردنيين ان
الواسطة نوع من انواع الفساد الذي يجب محاربته.
ولم يكن استطلاع الواسطة
هذا الذي اجري في مايو/ ايار من العام 2000 الاول من نوعه
فقط بل كان الاول ايضا في مجال محاربة الفساد وتنمية
الشفافية بشكل عام في الاردن والمجتمع العربي ايضا. واثار
الاستطلاع الذي اشار به 90% من المستطلع اراؤهم انهم
سيستخدمون الواسطة في المستقبل مع ان الواسطة فسادا، ردود
فعل كثيرة وكبيرة في الاوساط الشعبية والحكومية على حد
سواء، وحدا بالكثير من المسؤولين الى استخدام قضية محاربة
الواسطة في خطاباتهم، وقام ديوان الخدمة المدنية بصياغة
ميثاق شرف ليتم توقيعه من الموظفين ينص على عدم استخدام
الواسطة في عملهم بناء على توصيات مؤتمر مؤسسة الارشيف
العربي.
وعقد المؤتمر الذي اطلق
فيه الاستطلاع في فندق عمرة في مايو/ ايار من العام 2000
بدعم من منظمة الشفافية العالمية وحضره عدد كبير من
المثقفين والصحفيين والمسؤولين. واستقبل الملك عبد الله
الثاني في الديوان الملكي ممثلو منطمة الشفافية الدولية
ومنظمو المؤتمر - مؤسسة الارشيف العربي. وخلال اللقاء اكد
الملك على دعمه الكامل لتعميق الشفافية ومحاربة الفساد
واظهر مساندته لكل النشاطات التي نقوم بها في هذا المجال.
في العام 2002، وبفضل دعم
السفير السويسري في الاردن، قامت مؤسسة الارشيف العربي
بإجراء اول دراسة لظاهرة الواسطة في الاردن. والكتاب،
الواسطة - السر المعلن، كان عملا مهما في ارساء
معالم ظاهرة من ظواهر الفساد التي يجب على الحكومات
والمجتمع المدني والاعلام التصدي لها. ومثل الاستطلاع،
نفذت النسخ من المؤسسة بسرعة غريبة تدل فيما تدل على نهم
الشعب الاردني من مسؤولين وصناع قرار الى ممثلي مجتمع مدني
الى نشطاء ومثقفين وتطلعاته نحو القضاء على هذه الظاهرة
وظواهر اخرى مماثلة. وأتى هذا الكتاب لدراسة ظاهرة الواسطة
في الاردن، في
وقت تصدّرت فيه الصورة واعتبرتها كتب التكليف الملكية
للحكومتين الأخيرتين في الاردن آفة ينبغي
القضاء عليها، تحقيقاً
للمساواة، وتصحيحاً للخلل،
وتصويباً
للإختلالات...

وإذا كان للكتاب موقف
مسبق ضدّ الظاهرة،
فإنّه لم يفرضه على أحد، خصوصاً في المقابلات التي
أجريت مع عشرات الأشخاص الذين
يمثّلون شرائح مختلفة من المجتمع،
للوصول إلى فهم للظاهرة أوّلاً، ثمّ محاولة التوصّل إلى
الحلول الناجعة لإحتوائها، وتقليص إستخدامها إلى الحدود
الدنيا، باعتبار أنّ هدف القضاء عليها سيكون أشبه
بالمستحيل. وعندما
نتحدّث عن ظاهرة الواسطة في
الاردن، كنّا نتحدّث عن ما
أوصلت إليه من سلوكيات وسياسات، مثل الهدر في الإنفاق
الحكومي، والترهل في الجهاز الإداري، وغيرها من مظاهر
الفساد، بالاضافة الى تكريس
ثقافة معيّنة لا يمكنها أن
تساعد في حال من الاحوال على إنجاز سياسات الإصلاح
والتغيير...
وتبنت الحكومة بدون
تردد دعوات مؤسسة الارشيف العربي لتجريم الواسطة في
القانون - وكانت سابقة مهمة في عملنا بل وفي عمل المنظمات
غير الحكومية في الاردن.
ففي خطاب له القاه في
مؤتمرنا الدولي الثاني "نحو شفافية اردنية2" بدعم منظمة
ايبرت الالمانية، تعهد رئيس الوزراء علي ابو الراغب بتضمين
تجريم الواسطة في قوانين محاربة الفساد. وحظي المؤتمر الذي
عقد في العام 2003 برعاية ملكية ايضا ودعم شعبي ومساندة
منظمة الشفافية الدولية ومثقفين وصحفيين اردنيين.
وبالفعل، بعد اقل من
عامين، قامت الحكومة في العام 2005 بصياغة قانون يجرم
الواسطة. وفي اواخر العام 2006، اقر البرلمان القانون. ومع
انها خطوة كبيرة جدا الا اننا اردنا اكثر بكثير من الموجود
حاليا في القانون.
الواسطة..
والواسطة بمفهومها
الاجتماعي عمليّة ذات ثلاثة محاور:
الطالب، وهو صاحب الحاجة
أو المعاملة، وهو على الأغلب يرغب بتنفيذ عملية ما بأسرع
ما يمكن، وقد تكون هذه العملية قانونية أو لا، وقد يكون
الرجل متنفّذاً أو غير متنفّذ، وباختلاف موقعه الاجتماعي
أو طبيعة حاجته تتبدّل خلفية احتياجه للواسطة، فقد يحتاجها
إمّا:
١- للتحايل على القوانين،
في حال كون حاجته غير قانونية...
٢-لتحصيل حقّ يخشى ضياعه
لسبب موقفه الضعيف...
٣- لتسريع الانجاز بتجاوز
الروتين والتعقيدات الادارية...
الضلع الثاني، هو الواسطة
نفسها، أو الوسيط، وهو على الأغلب رجلٌ وجيه أو متنفّذ،
على الأقل في مجال الحاجة موضع الطلب، وقد يكون هذا قد
إكتسب موقعه إمّا من خلال:
- وظيفة حكومية...
- وضع عشائري...
- وضع مالي...
وهو إذ يسعى بالحاجة،
فإنّه على الأغلب يأمل أن تُسهم بمضاعفة نفوذه، إمّا
باضافة أصوات انتخابية مثلاً، أو زيادة وزنه لدى عشيرته أو
مجموعته الإثنية وتحسين وضع المجموعة بشكل عام أو أنّه
يأمل بامكانية أن تُسدّد له قيمة هذه الخدمة بأيّ شكل من
الأشكال...
والضلع الثالث، وهو الجهة
المتوسّط لديها، وهي قد تكون فرداً أو مؤسسة خاصّة أو
رسمية أو حكومية، وفي المحصّلة فهي فرد أو مجموعة أفراد
يقودون هذه المؤسسة، وتعني استجابتهم للواسطة توظيف هذه
المؤسسة لخدمة مصالحهم، أو مصالح من هم ذوو أهميّة بالنسبة
لهم...
وعلى مرّ السنين، يبدو
أنّ أهمية هذه العملية كانت سبباً في أنّها أصبحت قادرة
على إدامة نفسها والحفاظ على قوّة دفع واستمرارية وتأثير
على مختلف العمليات الاجتماعية، إبتداء من إختيار الموظفين
في القطاعين العام والخاص إلى اختيار الطلبة في الجامعات
إلى إرساء العطاءات على الشركات ورجال الأعمال...
وساهم ذلك كلّه، على مدار
السنوات، باختلال البنية الاجتماعية، واضطراب المعايير،
وتدنّي قيم الكفاءة والصلاحية للعمل والانتاجية ، وتراجعها
لصالح القيم العشائرية والجهوية ووشائج القُربى، وأصبحت
شهادة الميلاد هي العامل الحاسم في الوصول الى المناصب،
وحتّى المقاعد الجامعية واستاذية المؤسسات التربوية، في
حين تتراجع معايير الكفاءة والقدرة...
الواسطة في الواقع
الاردني
"الواسطة في الاردن" ليست
مجرد وسيلة للحصول على مكسب، أو حقّ، أو لحلّ مشكلة،
ولكنّها باتت أسلوب حياة...
ويصنّف البعض الواسطة
باعتبارها "فساداً أبيض"، وكأنّ الفساد طيف من الألوان، أو
أنّه يمكن أن يكون خيراً أو شرّاً، وفي كلّ الأحوال فهي
فساد يحمل شرعيّته من العرف الذي صار كالقانون، مع أنّه
عكسه، وكالاستثناء الذي غلب القاعدة نفسها...
وتدخل الواسطة في كلّ شيء
تقريباً، من إختيار وزير إلى خفير، وفي زمن صار فيه
الاصلاح الاداري عنواناً لسياسة وطنية، تبدو الواسطة
وكأنّها عصيّة على الاختراق، فالجهاز الذي يفترض به أن
يقوم بالاصلاح، هو نفسه الذي لا يعترف إلاّ بالواسطة
أسلوباً للعمل؟
وتبدو الواسطة، أيضاً،
أجذر إجتماعياً من أن يطالها القانون، أو ينفع معها إصلاح،
فقد اعتصم أكثر من مئتي حاصل على شهادة الدكتوراة، في حقول
مختلفة، أغلبها من الحقول الاجتماعية، أمام رئاسة الحكومة،
مطالبين رئيس الوزراء بالضغط على الجامعات لتوظيفهم،
فكأنّهم كانوا يطلبون وساطته في سبيل العمل، وقد وعدهم
بذلك.
ولا تعترف الواسطة
بالقطاع العام أو الخاص، فهي هنا وهناك، وفي سبيل تسهيل
المعاملات الحكومية للشركات، تكون هذه مضطرة لتوظيف أقارب
المسؤولين، بعيداً عن النمط المفترض في القطاع الخاص، الذي
لا يعترف إلاّ بالكفاءة والانجاز في سبيل تحقيق الارباح...
وكان رئيس الوزراء
المرحوم وصفي التل أوّل من تنبّه إلى هذه الظاهرة، وحاول
محاربتها، وله في ذلك أدبيات كثيرة، وأعمال تنفيذية أيضاً،
لكنّ الأمر كان قبل ثلاثين سنة، وما زال بالطبع، صعب
المعالجة، شبه عصيّ على الاختراق، ففي يوم كان وصفي التل
نفسه يستقبل وفداً شعبياً . سلّم عليه أحدهم، وشدّ على يده
ليكتشف أنّ فيها رزمة صغيرة من الأوراق المالية. فتحها
التل وقال للرجل: ما هذه؟ أجاب: هذه خمسون ديناراً، جمعتها
بصعوبة، فأنا أريد واسطتك لتعيين إبني. ردّ عليه التل
بحنان أنْ إنتظر جانباً، بعد أن أعاد الدنانير للرجل.
إنتهى الاستقبال فتوجّه التل إلى الرجل وقال: أطلب! ردّ:
ليس معي إلاّ هذه الدنانير، وقالوا لي إنّ ............
فالرجل كان يريد رشوة
رئيس الوزراء، بحثاً عن وساطته، لأنّه وجد أنّها الطريقة
الوحيدة لتعيين إبنه، ورئيس الوزراء كان يكتف أنّه يحارب
عدوّاً كالشبح، تختلط فيه الواسطة مع الرشوة، لتعبّر
الاثنتان عن فساد...
وفي حقيقة الأمر، فإنّ
الواسطة هي فساد، أو هي أوّله، وهي الرشوة بعناصرها
القانونية: الراي والمرتشي والمقابل الذي لا بدّ أن يكون
خروجاً على القانون، أو الانظمة والتعليمات، وهذا المقابل
قد يكون على شكل خدمة مقابلة، قانونية أو غير قانونية، أو
يكون على شكل مادّة...
فهي شكل من أشكال الرشوة،
إذن...
لكنّها رشوة مختلفة، إذا
كانت غير ماديّة، فذلك الذي قبل مخالفة القانون، أو
التعليمات والأنظمة، وهو موظّف حكوميّ، سيحصل على مقابل،
قد يأخذ شكل خدمة غير قانونية مُخالفة أخرى.
دراسة الواسطة –
النسخة العربية
|